صديق الحسيني القنوجي البخاري
29
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَإِنَّ اللَّهَ تعليل للجواب لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ قرىء يهدي بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى اللّه سبحانه أي فإن اللّه لا يرشد من أضله وقرىء بضم حرف المضارعة على أنه مبني للمجهول على أنه لا يهديه هاد كائنا من كان وهما سبعيتان ، فهذه الآية كقوله في الآية الأخرى مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] وقال الفراء : على القراءة الأولى معنى لا يهدي لا يهتدي كقوله تعالى : أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى [ يونس : 35 ] بمعنى يهتدي . قال النحاس : حكى عن المبرد معنى لا يهدي من يضل من علم ذلك منه وسبق له عنده وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم على الهداية لمن أضله اللّه أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ومن زائدة . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 38 إلى 43 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) ثم ذكر عناد قريش وانكارهم للبعث فقال : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ أي حلفوا وسمى الحلف قسما لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب . جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي جاهدين غاية اجتهادهم فيها وذلك أنهم كانوا يقسمون بآياتهم وآلهتهم فإذا كان الأمر عظيما اقسموا باللّه ، والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة وانتصابه على المصدرية وظاهره أنه استئناف إخبار وجعله الزمخشري نسقا على وقال الذين أشركوا . لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ من عباده زعموا أن اللّه سبحانه عاجز عن بعث الأموات ، عن أبي العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان مما يتكلم به والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا وكذا فقال له المشرك إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت فأقسم باللّه جهد يمينه لا يبعث اللّه من يموت فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية ، وعن عليّ قال نزلت فيّ . بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا هذا اثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم ووعدا مصدر مؤكد لما دل عليه بلى وهو يبعثهم لأن البعث وعد من اللّه والتقدير وعد البعث وعدا عليه وحقه حقا لا خلف فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن ذلك يسير عليه